الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

383

المنقذ من التقليد

وكلّ هذا غير متأت في الغائب ، لأنّه جلّ وعزّ ليس بجسم ولا مرئي على الصحيح من المذهب ، والتكليف يمنع من الاضطرار إلى قصده فكيف يبعث الرسول ، فإن قلتم : بأن ينزل به ملكا قلنا : وكيف ينزل الملك والملك كيف يعلم أنّ اللّه تعالى بعثه إلى الرسول ، والرسول بما ذا يعلم صدق الملك وأحدنا كيف يعلم صدق الرسول ؟ قلنا : قد نبهنا على كيفية البعثة عند القول في كلامه تعالى وكونه متكلّما حيث ذكرنا الطريق إلى معرفة كلامه عزّ وجلّ فنعيده هاهنا ونزيد فيه ونقول : البعثة ممكنة متصوّرة بأحد وجهين . إمّا بأن يخلق اللّه تعالى كلاما في محلّ يتضمّن أنّ اللّه يبعث الشخص الذي يرسله إلى الخلق ويأمره بأن يؤدّي إليهم ما يوجبه إليه ويقرن إلى ذلك الكلام علما معجزا يدلّ على صدقه كما فعل بموسى - عليه السلام - في ابتداء أمره على ما حكاه تعالى في قوله « نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ » « 1 » . وإمّا بأن يظهر كتابة تتضمّن هذا المعنى بحيث يراها ذلك الرسول ويشاهدها ويقرن إليها علما معجزا يدلّ على صدق ما تضمنته . وهذا على ما ثبت في حقّ جبرئيل عليه السلام أنه كان ينظر في اللوح المحفوظ ويشاهد ما يظهر عليه من الكتابة ويفهم معناها ثمّ كان يؤدّي ما فهم منها إلى الرسول . وكلّ هذا ممكن مقدور له تعالى لا استحالة فيه ، وأمّا صدق الملك فانّما يعلمه الرسول بالعلم المعجز الذي يظهر على الملك ، وأحدنا إنما يعلم صدق الرسول بالمعجز أيضا . وذلك لأنّه لا طريق إلى معرفة صدق الرسل ، إلّا المعجز أو ما يستند إلى المعجز .

--> ( 1 ) القصص : 30 .